مجمع البحوث الاسلامية

106

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

كان المنقول من الكلام هو بعينه الكلام الأوّل الصّادر من المتكلّم الأوّل ، وإن تكرّر إلى ما لا نهاية له . هذا بالبناء على ما يقضي به الفهم العرفيّ . لكنّا إذا أمعنّا في ذلك قليل إمعان وجدنا حقيقة الأمر على خلاف ذلك ، فقول القائل : جاءني زيد مثلا ، ليس كلاما واحدا ، لأنّ فيه الجيم أو الألف أو الهمزة ، فإنّ كلّ واحدة منها فرد من أفراد الصّوت المتكوّن من اعتماد نفس المتكلّم على مخرج من مخارج فمه ، والمجموع أصوات كثيرة ليس بواحدة ألبتّة إلّا بحسب الوضع والاعتبار . ثمّ إنّ الّذي تكلّم به قائل القول الأوّل ثانيا والّذي تكلّم به النّاقل الّذي ينقله عن صاحبه الأوّل ثالثا ورابعا وغير ذلك ، أفراد أخر من الصّوت مماثلة لما في الكلام الأوّل المفروض من الأصوات المتكوّنة وليست عينها ، إلّا بحسب الاعتبار ، وضرب من التّوسّع . وليس هذه الأصوات كلاما إلّا من حيث إنّها علائم وأمارات بحسب الوضع والاعتبار ، تدلّ على معان ذهنيّة ، ولا واحدا إلّا باعتبار تعلّق غرض واحد بها . ويتحصّل بذلك أنّ الكلام بما أنّه كلام أمر وضعيّ اعتباريّ لا تحقّق له في الخارج من ظرف الدّعوى والاعتبار ، وإنّما المتحقّق في الخارج حقيقة الأفراد من الصّوت الّتي جعلت علائم بالوضع والاعتبار ، بما أنّها أصوات لا بما أنّها علائم مجعولة ، وإنّما ينسب التّحقّق إلى الكلام بنوع من العناية . ومن هنا يظهر أنّ الكلام لا يتّصف بشيء من الحدوث والبقاء ، فإنّ الحدوث وهو مسبوقيّة الوجود بالعدم الزّمانيّ ، والبقاء وهو كون الشّيء موجودا في الآن بعد الآن على نعت الاتّصال ، من شؤون الحقائق الخارجيّة ، ولا تحقّق للأمور الاعتباريّة في الخارج . وكذا لا يتّصف الكلام بالقدم ، وهو عدم كون وجود الشّيء مسبوقا بعدم زمانيّ ، لأنّ القدم أيضا كالحدوث في كونه من شؤون الحقائق الخارجيّة دون الأمور الاعتباريّة . على أنّ في اتّصاف الكلام بالقدم إشكالا آخر بحياله ، وهو أنّ الكلام هو المؤلّف من حروف مترتّبة متدرّجة بعضها قبل وبعضها بعد ، ولا يتصوّر في القدم تقدّم وتأخّر وإلّا كان المتأخّر حادثا وهو قديم ، هذا خلف ، فالكلام - بمعنى الحروف المؤلّفة الدّالّة على معنى تامّ بالوضع - لا يتصوّر فيه قدم مع كونه محالا في نفس الأمر ، فافهم ذلك . 2 - هل الكلام بما هو كلام فعل أو صفة ذاتيّة ، بمعنى أنّ ذات المتكلّم هل هي تامّة في نفسها مستغنية عن الكلام ثمّ يتفرّع عليها الكلام ، أو أنّ قوام الذّات متوقّف عليه كتوقّف الحيوان في ذاته على الحياة ، أو كعدم انفكاك الأربعة عن الزّوجيّة في وجه ؟ لا ريب أنّ الكلام بحسب الحقيقة ليس فعلا ولا صفة للمتكلّم ، لأنّه أمر اعتباريّ ، لا تحقّق له إلّا في ظرف الدّعوى والوضع ، فلا يكون فعلا حقيقيّا صادرا عن ذات خارجيّة ، ولا صفة لموصوف خارجيّ . نعم الكلام بما أنّه عنوان لأمر خارجيّ وهو الأصوات المؤلّفة ، وهي أفعال خارجيّة للمتصوّت بها ، تعدّ فعلا للمتكلّم بنوع من التّوسّع ، ثمّ يؤخذ عن نسبته إلى الفاعل وصف له وهو التّكلّم والتّكليم ، كما في